محمد جمال الدين القاسمي

473

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 115 ] وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وقرئ ( كلمات ربك ) أي : بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده صِدْقاً في الأخبار والمواعيد وَعَدْلًا في الأقضية والأحكام . وقال القاشانيّ : أي تم قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم ، وكفر من كفر ، ومحبة من أحب ، وعداوة من عادى ، قضاء مبرما ، وحكما صادقا ، مطابقا لما يقع ، عادلا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال ، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له . انتهى . لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي : لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل . أو لا أحد يقدر أن يحرّفها شائعا ذائعا ، كما فعل بالتوراة . على أن المراد بها القرآن فيكون ضمانا لها منه تعالى بالحفظ ، كقوله وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ * [ الحجر : 9 ] . وقال القاشاني : أي لا مبدل لأحكامه الأزلية . انتهى . قال السيوطي في ( الإكليل ) : يستدل به من قال إن اليهود والنصارى لم يبدلوا لفظ التوراة والإنجيل ، وإنما بدلوا المعنى ، لأن كلمات اللّه لا تبدل . انتهى - وهو رواية « 1 » عن ابن عباس - أخرجها البخاري في آخر صحيحه . وبسط المقام في ذلك الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) . وتقدم لنا في سورة البقرة شذرة من هذا البحث ، فجدد به عهدا . وَهُوَ السَّمِيعُ لما يظهرون من الأقوال الْعَلِيمُ أي بما يخفون . ثم حذر تعالى من الركون إليهم والعمل بآرائهم بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 116 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي : من الناس ، وهم الكفار يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : عن الطريق الموصل إليه ، بتزيينهم زخارفهم عليك ، ودعوتهم إياك إلى

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التوحيد ، 55 - باب قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ .